الرئيسية > تحقيقات

مدخل في اقتصاد الصحراء الغربية (الجزء الأولى)

1 أيار (مايو) 2014

بقلم الدكتور علي سالم محمد فاضل

قبل الخوض في تفاصيل هذا الموضوع، الذي سيتناول أهم ما تمتلكه الصحراء الغربية من بشرية وموارد طبيعية والتي في مجملها ستشكل اللبنة الأساسية للتنمية الاقتصادية في الصحراء الغربية. كما تجدر الإشارة إلى أن الدور الحاسم في تنمية البلدان كافة يعود بالدرجة الأولى إلى إمكانية تأمين استمرار النشاط الاقتصادي والحفاظ على البنية الاقتصادية الداخلية. علما أن مشاركة البلد في التبادل التجاري والتعاون الدولي والاستفادة من هذه المشاركة لتطوير قدراته وطاقاته يكتسي أهمية خاصة. ومما يضمن استقرار البلد اقتصاديا كقاعدة عامة هو استيعاب الموارد الاقتصادية المتوفرة بغض النظر عن مصدرها (محلية كانت أو مستوردة)، علاوة على أن عوامل هذا الاستقرار أصلا نابعة من الوطن ولها القدرة على التفاعل مع الظروف وتخطي الصعاب إذا ما أحسن تسيير إدارتها، شريطة ألا يتعرض البلد لتدخل قوى أجنبية، التي من عادتها لا تريد سوى الحصول على أرباح كبيرة على حساب ما تجنيه من البلد المعين.

فالصحراء الغربية بحكم موقعها الجغرافي كانت نقطة وصل بين جيرانها وحافظت على ضمان هذا التواصل عصورا طويلة، مؤمنة مرور قوافل تجارية وثقافات مختلفة أتاحت لشعوب المنطقة تطورا ماديا وحضاريا ما زالت تحدثنا عنه النقوش الصخرية التي يرجع تاريخها إلى ما قبل ألفي سنة قبل الميلاد[1]. ولقد استمر الصحراويون على هذا النهج حتى تدخل الأوروبيون وسيطروا على الطرق التجارية والموارد الأساسية التي كانت أصلا مصدرا لحياة شعوب المنطقة كلها. وبهذا يكون قد أسدل الستار على التطور الطبيعي لهذه البلدان وحولت شعوبها إلى أيادي عاملة رخيصة لقوى الاستعمار، كما حولت ثرواتها إلى موارد وصناعات تصديرية، مما أدى إلى وضعها في تبعية سلبية لأسواق المستعمر.

وقد اتبعت الإدارة الإسبانية السياسة نفسها في الصحراء الغربية لنقل الموارد الخام خاصة الفوسفات والثروة السمكية، التي كانت تدر على المستعمر أرباحا باهظة دون تكاليف كبيرة. وقد حاولت إسبانيا (والاحتلال المغربي لاحقا) نشر الدعاية التي قوامها التقليل من أهمية الموارد الاقتصادية الصحراوية، علما أن الاحتياطات التي تم الوقوف عليها من خلال الدراسات المختلفة أثبتت عكس ذلك.

الاقتصاد الطبيعي في الصحراء الغربية

تميزت الصحراء الغربية قبل وصول الاستعمار للمنطقة ببنية اجتماعية واقتصادية، تركزت على الاكتفاء الذاتي المبني على الاقتصاد الطبيعي، مما أعطى للصحراويين نوعا من الاستقلالية في نمط حياتهم عن المحيط الجغرافي وأهلهم لبناء علاقات اقتصادية مع الدول الأخرى عبر القوافل التجارية. وقد استهدفت هذه الاستقلالية من طرف المستعمر، الذي عمل جاهدا على تحطيم تلك البنية الاقتصادية القائمة أصلا على أساس فلاحي - رعوي. وليس نادرا أن يجري في تلك الظروف شيء من التبادل التجاري مع المناطق الجغرافية المجاورة وذلك على مدى القرون السابقة.

كانت حياة المجتمع الصحراوي كما هو معلوم تعتمد على تربية المواشي (أساسا الإبل والغنم والماعز) كمصدر رئيسي للوجود في مناخ صحراوي، بالإضافة إلى التجارة والصيد البحري والفلاحة الموسمية والتفنن في الصناعة التقليدية. ولقد استخدمت الإبل في الصحراء الغربية في القرن الأول الميلادي، ومنذ ذلك الوقت وهي تعتبر أهم مورد طبيعي للبدو، كما أنها شكلت العنصر الأساسي في الاقتصاد التقشفي بحكم قدرتها على تحمل المشقات وتدجينها السهل وتأقلمها مع الظروف الصعبة للصحراء الغربية. وكان السكان يستفيدون من جلود المواشي في صناعة مستلزماتهم الضرورية ويعتمدون في عيشهم على حليبها ولحمها ويصنعون الخيام والأغطية من أوبارها وشعرها وصوفها وجلودها. كل هذه العناصر شكلت نمطا اقتصاديا يتماشى مع مقتضيات المرحلة آنذاك وساعدت في توفير المتطلبات الأساسية للتبادل التجاري داخل السوق المحلية، علما أن المواشي كانت تستخدم في عملية التبادل التجاري الأساسية ، بينما في دول أخرى مثل النيجر ومالي وتشاد كان الملح الحجري (الصخري) هو الأهم، الذي يُنقل إليها عبر القوافل التجارية من تخوم الصحراء الغربية، بل لعب في بعض الأحيان دور النقود بهذه البلدان وما زال يكتسي أهمية كبيرة في أيامنا الحالية. ولقد بلغت تجارة القوافل الصحراوية قمة ازدهارها مع نهاية القرن الرابع عشر – بداية القرن الخامس عشر وكانت تمر عبر طريقين رئيسين، طريق الصحاري والطريق الساحلي وكلاهما تمران عبر التراب الوطني [5].

ولقد تميزت الصحراء الغربية بأهمية جغرافية خاصة جعلت منها ممرا تجاريا حيويا ينقل البضائع والثقافات في آن واحد ويتيح تطورا ماديا وفكريا لسكان البلد أنفسهم، كما أنها ولعصور طويلة شكلت إحدى الطرق الثلاثة في المنطقة التي تمر فيها القوافل التجارية، التي ساعدت في تأسيس علاقات اقتصادية متبادلة بين الصحراويين والدول المجاورة [1].

ومن خلال هذه العلاقات التجارية تمكن الصحراويون من رسم نظام تبادلي بين سكان المناطق الداخلية (أصحاب المواشي) وسكان الشواطئ (صيادي الأسماك) من جهة وبين السكان المحليين مع العالم الخارجي للحصول على بضائع غير متوفرة أصلا في المنطقة من جهة أخرى، وكانت هذه القوافل المكونة من آلاف الجمال هي الركيزة الأساسية في التبادل التجاري، إذ كانت تحمل معها الملح والجلود والصمغ العربي وريش النعام وتعود محملة بالذهب والفضة والأحجار الكريمة والعاج والقماش والأسلحة والمواد الغذائية (خصوصا السكر، الشاي والحبوب) والسجاد وغيرها. كما تميز الاقتصاد الصحراوي قبل مجيء الأوروبيين بعدم تراكم لرأس المال وغياب تام للملكية الخاصة للأرض وكان الثراء يقاس بعدد الإبل والغنم والأثاث المتوفرة لدى الفرد. ولقد استمر الصحراويون على هذا الحال طيلة قرون، مما ساعدهم في خلق نمط اقتصادي يتماشى مع ظروفهم الخاصة ووفر لهم نوعا من الاستقلالية والحرية، بعيدا عما تمليه دوائر الحياة الحضرية. لكن هذه الاستقلالية بدأت في التناقص عندما تزايد اهتمام الأوروبيين بالمنطقة كموقع جغرافي استراتيجي يربط إفريقيا بأوروبا وبالقارة الأمريكية. وقبل التطرق إلى الحقبة الاستعمارية نضع أمام القارئ الرسم التخطيطي التالي، الموضح للعلاقة المتبادلة بين الجهات المختلفة في النظام التبادلي، الذي كان يتمتع به الصحراويون قبل الاستعمار الإسباني.

وبما أن الاستعمار استهدف مصادر الاكتفاء الذاتي للمستعمرات لشل استقلالها ولوقف عملية النمو الطبيعي لها، فإن فرنسا منذ أن وطأت أقدامها المنطقة حاولت جاهدة الاحتواء والسيطرة على طـرق القوافل التجارية، التي كانت تمول السوق المحلية بالسلع المختلفة وهو ما كان أحد الأسباب التي قادت إلى نشوب حرب ضارية بين فرنسا والصحراويين دامت حقبة طويلة من الزمن، مما هيأ فرصة ذهبية لإسبانيا لإقامة اتفاقيات تجارية مع أعيان القبائل في الساقية الحمراء ووادي الذهب، بمقتضاها حصلت فيما بعد على "الحق" في مؤتمر برلين 1884 لبسط سيطرتها الاستعمارية على الصحراء الغربية.

حاول الاستعمار جاهدا إدخال تغييرات هيكلية في البنية الاقتصادية الموجودة وذلك بعد سيطرته على زمام الأمور لفرض نمط خاص في الاقتصاديات المحلية للمستعمرات لتسهيل عملية تزويده بالمواد الأولية. والصحراء الغربية لم تكن استثناءً بل مرت هي الأخرى بتحولات سريعة مست البنية الأساسية للاقتصاد الرعوي خصوصا في الأربعينيات من القرن الماضي، سببت في تحول جوهري في تركيبة السكان الأصليين ونمط حياتهم. ولأول مرة حصل تعادل في النسب المئوية بين البدو والحضر في منتصف الستينيات، ثم بدأت نسبة البدو في انخفاض سريع حتى وصلت إلى ما يقارب الـ 20% في منتصف السبعينيات وبقت هذه النسبة تتراوح ما بين الـ 20 و 15% طيلة العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية ألفية الثالثة.
ولقد كانت من بين العوامل المساعدة في هذا التحول السريع سنوات الجفاف المتتالية وسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها الاستعمار الإسباني واكتشاف احتياطات هائلة من الفوسفات العالي الجودة بالبلاد. ولأخذ تصور عما آل إليه هذا التغيير في التركيبة السكانية في الصحراء الغربية نضع أمام القارئ المقارنة التالية بين سكان البدو وسكان الحضر، .

إلا أن انتقال الصحراويين إلى الحياة الحضرية لم يساعد على دمجهم في النظام الاقتصادي الجديد (حيث لم تتجاوز نسبة الأشخاص العاملين في مختلف القطاعات 25%)، بل تم تحويلهم إلي أيادي عاملة غير متخصصة تؤدي جملة من الأعمال والخدمات المتفرقة لكن دون مبادرة ولا استقلالية عن القوى الاستعمارية، أضف إلى ذلك أن إسبانيا لم تول اهتماما إلا لاستغلال مناجم بوكراع والبحث عن الثروات الطبيعية[3] وبيع إجازات لاستكشاف النفط والغاز [2] وبناء وتوسيع البنية التحتية التي تساعد في استغلال الثروة الصحراوية لصالح المستعمر الإسباني (مواني، طرق، اتصالات، آبار مياه... إلخ.). ولم تكتف إسبانيا بهذه السياسة فحسب، بل لجأت في العام 1950 إلى إصدار قرار يمنع إقامة أي شكل من أشكال المشاريع التنموية داخل البلد ليتسنى لها السيطرة على سبل العيش، التي كانت متاحة لدى المواطن الصحراوي.
وبهذا تكون إسبانيا قد أسدلت الستار على البنية الأساسية للاقتصاد الطبيعي في الصحراء الغربية، مدمرة بذلك استقلالية السكان الأصليين للبلد، التي ميزتهم في عيشهم طيلة مراحل طويلة من الزمن.



1 تم نشر موضوع الموارد البشرية في دراسة سابقة على هذا الموقع.
2 كان الجمل أهم وسيلة للتبادل فكانوا يقايضون فيه مقابل الأسلحة والذخائر والأقمشة والشاي والحبوب ... إلخ، وتجرى العملية إما عن طريق التبادل المباشر أو بواسطة النقود، فعلى سبيل المثال قبل سنوات الجفاف كان الصحراويون يبيعون حوالي 2000 جمل سنويا في أسواق المغرب الجنوبية ويصدرون إلى موريتانيا أكثر من هذا العدد.


بعض المراجع الأساسية
1. الشامي علي: الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، دار الكتاب للنشر، بيروت، 1980.
2. بن عامر تونسي: تقرير المصير وقضية الصحراء الغربية. الجزائر، المؤسسة الجزائرية للكتاب، 1987.
3.عمر صدوق: قضية الصحراء الغربية في إطار القانون الدولي. ديوان المطبوعات – الجزائر. 1982
4. فيليب رفلة: الجغرافيا السياسية لإفريقيا. طبعة 2، القاهرة – 1966.
5. سالفادور باياريس كاري وباولا كانيت كستيا: الصحراء الغربية في القلب – ترجمة أحمد الشيعة.

6. Aguirre José Ramón Diego: Historia del Sáhara Español. La verdad de una traición. Madrid, Ed. KAYDEDA, 1988.
7. Caro Baroja, Julio: Estudios saharianos. Barcelona, Ed. Jugar, 1990.
8. Hodges Tony: Western Sahara. The Roots of a Desert War. Pr. Lawrence Hill & Company, Westport, USA, 1983.
9. Morillas Javier: Desarrollo y subdesarrollo en el Sáhara Occidental. Configuración y restricción de una economía dual. Tesis doctoral. Madrid, Prensa y Ediciones Iberoamericanas, 1988.

التعليقات

any other left block

صوت وصورة

المزيد من الأخبار